In order to view this object you need Flash Player 9+ support!

Get Adobe Flash player

البحث

رواية السيد أصغر أكبر في دار الحياة

                  

التفاصيل:

نشرت جريدة دار الحياة مقالاً عن رواية السيد أصغر تحت عنوان
حكايات الهامش العراقي المنسي تاريخاً وواقعاً بتاريخ 12-3-2012

حكايات الهامش العراقي المنسي تاريخاً وواقعاً
الإثنين, 12 مارس 2012
هيثم حسين

يسعى الروائي العراقي مرتضى كزار في روايته «السيد أصغر أكبر»، (دار التنوير، بيروت، 2012) إلى أن يقدم مسحاً تاريخياً، جغرافياً، اجتماعياً، سياسياً، لمدينة النجف العراقية، ذات الإرث الديني، والبعد المرجعي، عبر حكاية سير كثيرة، يتداخل فيها الخاص بالعام، تتداخل الأزمنة والأمكنة.

يسبر كزار طبقات المدينة، متنقلاً بين المراحل التاريخية، كاسراً رتابة الزمن ومتخطياً الفجوات الزمنية، ليروي روايته خارج السياق الطبيعي للزمن، وخارج التقييد المكاني المحدد بحيز النجف. ذلك أنه ينفتح على حدود أمكنة قريبة وبعيدة، بالموازاة مع انتقاله بين الأزمنة، بحيث يلاحظ القارئ تنقله من عصر إلى آخر، كحديثه عن العهد العثماني ثم انتقاله إلى الانتداب البريطاني فعهد الاستقلال وما رافقه من ويلات وما تلاه من فجائع وانتكاسات وانتفاضات، ثم وصولاً إلى الاحتلال الأميركي، وتسريب بعض المفارقات التاريخية المواكبة والمصاحبة لجوانب من العهود، من دون أن يعنى بتقديم محاكمات تاريخية أو وقائع توثيقية، بل يقارب التاريخ من بؤر المنسي والمتجاهل والمهمش.

يصور كزار التناقض الذي يجتاح النفوس والأرواح، ابتداء من العنوان الملتبس الجامع بين متناقضين، ومروراً بالشخصيات التي تدور في فلك التناقض التجدد، والمدينة التي تتكتم على الكثير من التناقضات بدورها. يقسم روايته إلى قسمين، «نظرية السيد أصغر أكبر - أخطاء مطبعية»، كأنه بصدد تقديم حكاياته المتعددة التي يستولد بعضها بعضاً، في سياقات متلاحقة وفي شكل تصاعدي، يوكل كل قسم إلى ساردين بعينهم. يبني رواية في متن رواية، وهي طريقة معهودة في كتابة الرواية، عبر صياغة الرواية داخل الرواية، أو إيكال السرد إلى رواة، يتبين لاحقاً أنهم شخصيات روائية مُسيرة من راوٍ يبرز هويته ويكشف النقاب عن شخصيته الحقيقية التي يرسمها له الروائي، مضمراً بذلك جوانب توثيقية، في إطار «التلفيق» الأدبي ولعب الروائي.

ثلاث نسوة

يحكي كزار في القسم الأول، الذي يشكل بنيان الرواية وغالبيتها، سير ثلاث نسوة عوانس، هن حفيدات السيد أصغر أكبر الذي يشكل علامة فارقة في تاريخ النجف، بحسب ما يروين. وهو نساب خيول يدخل النجف في نهاية القرن التاسع عشر، ويعمل كصانع لدى خياط ثم محققاً في أنساب العشائر والبيوتات والأسر، ليقترح نظريته الخاصة في علم الأنساب.

تروي البطلات الساردات قصص بعض سكان النجف، انطلاقاً من سيرة جدهن أصغر أكبر الذي يشككن في نسبه، يعاصرن أحداث المدينة وتحولاتها، ويكتبن بما تبقى من مطبعة الجد الحجرية سيرة العائلة بواسطة طريقة رص الحروف وكتابة كلمات معكوسة فيرتكبن بعض الأخطاء المطبعية التي ستؤثر في مسار الرواية. يسترجعن عمل جدهن الذي كان نساباً ذكياً، وداهية في رسم أشجار النسب بحسب المطلوب، وبالتكليف، فيشرف أنساباً ويدنس أخرى، يخترع لنفسه طريقة خاصة به في رسم أشجار النسب، فيرسم شجرة الماضي، ثم يرسم شجرة المستقبل، وفق تصاميم وفرضيات غريبة، يزكي من يشاء، وبحسب الدوافع، يهمش من يشاء، وذلك أيضاً بحسب الدوافع والرغبات. وقد يصادف أن يخترع لأحدهم نسباً أو يقطع نسباً، معتمداً على نباهته وذكائه وعوامل أخرى كثيرة تساعده في ترتيب غرائبه. وينتقل الهوس بالأنساب والتلاعب بالقصص والمصائر إلى حفيداته اللائي يعشن حياة غريبة، تعشق إحداهن شخصاً ترسمه في شجرة مستقبلية، تهيم أخرى بشخص تحاول محاصرته واستحضاره باستمرار واقعاً وتخيلاً، ثم ثالثة غارقة في حزنها ووحشتها التي تلقي بظلالها على الأخريين.

وحشة وكآبة

تكون الوحشة والكآبة سمات الشخصيات، تحضر الثقافة الشفاهية غير المدونة في سياق الترتيب الروائي، والتنقيب الحكائي، يختلط المُفترض منها مع المُتخيل والمُؤرخ والمُؤسطر. كما تحضر الثقافة الشعبية المُحتفى بها، أو المُعتم عليها، في المتن الذي يعج بالحكايات والأساطير.

- طبقات ومرايا

واحدية، معينة، نظمة، هن الراويات في الفصل الأول، يتناوبن فيما بينهن على حكاية القصص واستكمال التفاصيل، يتقدمن بهوية واحدة، ينطقن بلسان واحد، عن تواريخ متعددة متباعدة وشخصيات كثيرة، يستهللن حديثهن بتقديم أنفسهن للقراء بصيغة الجمع المتكلم: «نحن»، في حين أن هناك تأرجحاً في السرد لاحقاً، حيث يحافظ في صياغته على الحديث بلسان الجماعة مستعملاً «نا» الدالة على الفاعلين، وذلك فـــي غيـــاب إحـــداهن أو اثنتيـــن منهن، أي يجعل الواحدة منهن اختصاراً للأخريات، وقد يصادف السرد خللاً أو مطبات إسنادية، ولا سيما حين تحتل إحداهن صدارة الحكي، منطلقة بصيغة الجمع تارة والمـفرد تارة أخرى، أو يصادف الحكي عن غائبة منهن بصيغة الحاضر السارد المشارك في عملية الترصيف والتغيير والحكي.

ومن هنا فإن طبقات السرد المقدمة لم تتــــوافق مع التحقيب التاريخي، والتنقيب الأنثروبولوجي المطروح، ولا مع الخريطة الأجناسية/ الروائية المراد التفصيل في جــــوانب منهـــا. نساء ثلاث يرصفن حروف مطبعة قديمة مركونة في العتمة، يعدنها إلى الحياة، يبثثن فيها الروح والسحر، لتكشف الأسرار، كأنهن يعدن ترتيب العالم وفق طريقتهن ومن وجهة نظرهن المحصورة.

مشروع سيناريو

في الفصل الثاني الذي يبين فيه الكاتب أن الرواية هي مشروع سيناريو لفيلم لاحق يخطط له أحد الأجانب القادمين إلى العراق إبـــان الاحــــتلال، والمستكشف بعض الخبايا والأسرار، يبوح بها لأصدقائه وأهله، يفصل في شرح الذهنيات السائدة، والبائدة، يقدم نماذجه ومقترحاته لبناء عالم سينمائي على أنقاض عالم حكائي فجائعي، حيث الفجيعة ساكنة في الأرواح والذواكر، مرتحلة عبر العصور، لا تهدأ ولا تستكين.

تشكل الرسائل التي يرسلها الراوي أ. باشيرو الذي يكشف عن شخصيته في النهاية طبقة سردية جديدة، ربما يقدمها الكاتب على أنها الأولى والأهم، لا من جهة المساحة التي تحتلها، بل من حيث الدور الذي تنهض به، وهو دور بناء الحكاية ورسم السيناريو المنشود.

البشر والحجر

يوقع كزار القسم الأول من روايته باسم الثلاثي «واحدية معينة نظمة» وبتاريخ 10 آذار (مارس) 1994، في حين يوقع القسم الثاني باسم أ. شابيرو، وبتاريخ 2006. وهي تواريخ تلي الحروب المعاصرة التي كان العراق مسرحها. بحيث يحاذي بين تنوع الأزمنة المسرودة والساردين المفترضين للحكايات المتخيلة المتشعبة، والتواريخ المنسوبة إلى عدمٍ فضاح. كما يحضر جانب هام حين رسمه المصائر، إذ ينقل إلى قارئه أن البشر عبارة عن أخطاء مطبعية في شجرة الحياة، وقد تكون الكثير من الأشجار منتحلة أدوراً ليست أدوارها، أو مرســـومة بناء على الطلب، ومن قبل نسابة ملفقين. الخطأ قد يكون خطيئة، والمصير المنشود لا يتقاطع مع الوقائع دوماً.

لربما يصح التوصيف إن «السيد أصغر أكبر» هي رواية مدينة النجف بما يعترك فيها وما تنطوي عليه مما تتكتم عليه أو تحجبه عن الغرباء والوافدين إليها، ولربما تُوصــــف إنها رواية المدن المنكوبة بأهلها، المُثقـــلــــة بذاكرتها، وشواهد قبورها، يحفر الروائي في طبقات البشر والحجر، يرتحــل بين الأزمنة، يتجاوز الحدود ويكتب مُنطــلقاً من برزخ فاصل بين الوجود والعدم. وقبل هذا وذاك فإنها تحرض على التشكيك فيما قُدِم من روايات في التاريخ الرسمي، يبث الشك في قلب الشوق والأرق والسهاد والعزلة والوحشة والتخبط والجنون... حيث التشكيك جسرٌ للوصول إلى الافتراضات المتناسلة.

* كاتب سوري


© 2010 دار التنوير - جميع الحقوق محفوظة